علي بن أحمد المهائمي
582
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
يعرف أن اللّه هو القاتل والرامي باعتبار ذاته ، وباعتبار ظهوره في الحديد والضارب والرامي بصور أسمائه ؛ وذلك لأنه ( ما قتلهم إلا الحديد والضارب ، والذي خلق هذه الصور ) ، وما رماهم إلا الحديد والقوس والرامي ، والذي خلق هذه الصور ، ( فبالمجموع وقع القتل والرمي ، فيشاهد الأمور بأصولها ) ، كالخالق وأسمائه ( وصورها ) كالحديد والضارب ، ( فيكون تامّا ) في المعرفة لكن فيه تفرقة . ( فإن شهد ) مع ذلك ( النفس ) الرحماني بعين الصور الطبيعية ( كان مع التمام كاملا ) « 1 » ؛ لوصوله إلى رتبة التوحيد ، ( فلا يرى إلا اللّه عين ما يرى ) من الصور الطبيعية ، فلا تتفرق في نظره الصور والخالق بخلاف نظر الأول ، فيصير كما قال الإمام حجة الإسلام الغزالي في الباب الثالث من كتاب « التلاوة » : بل التوحيد الخالص ألا يرى في كل شيء إلا اللّه ، ( وهذا القدر كاف ) في تمام المعرفة وكمالها ، وإن كان لا يخلو عن النظر في الأسماء والنفس ، واللّه الموفق لتحصيل هذا الكمال ، والهادي لطريق تحصيله ، ( واللّه الموفق ) لمراتب الأكملية ، و ( الهادي ) للسير فيه ومنه بعد السير إليه ؛ فافهم ، فإنه مزلة للقدم . ولما فرغ عن بيان الحكمة الإيناسية المفيدة للأنس بالعوالم ، شرع في بيان الحكمة الإحسانية المفيدة أنس العبد بالحق والحق بالعبد ، فيرى العبد ربه في كل شيء ، والرب يرى صور أسمائه وآثارها في خلقه ، وهذا هو الإحسان المشار إليه بقوله عليه السّلام : « أن تعبد اللّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه ؛ فإنه يراك » « 2 » ؛ فقال :
--> ( 1 ) أي : شهد مع ذلك أن النفس الرحماني غير الطبيعية كان مع التمام كاملا في المعرفة باللّه ( شرح القاشاني ص 282 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 1 / 27 ) ومسلم ( 1 / 37 )